مركز الثقافة والمعارف القرآنية

132

علوم القرآن عند المفسرين

الكلمات الغيبية المترتّبة ترتبا وضعيا أزليا يقدّر بينها التعاقب فيما لا يزال ، والقرآن كلام اللّه تعالى المنزل بهذا المعنى فهو كلمات غيبية مجردة عن المواد مترتبة في علمه أزلا غير متعاقبة تحقيقا ، بل تقديرا عند تلاوة الألسنة الكونية الزمانية ، ومعنى تنزيلها إظهار صورها في المواد الروحانية والخيالية والحسية من الالفاظ المسموعة والذهنية والمكتوبة ، ومن هنا قال السنيون : القرآن كلام اللّه تعالى غير مخلوق ، وهو مكتوب في المصاحف محفوظ في الصدور مقروء بالألسن مسموع بالأذان غير حالّ في شئ منها ، وهو في جميع هذه المراتب قرآن حقيقة شرعية معلوم من الدين بالضرورة ، فقولهم غير حالّ إشارة إلى مرتبته النفسية الأزلية فإنه من الشؤون الذاتية ولم تفارق الذات ولا تفارقها أبدا ، ولكن اللّه تعالى أظهر صورها في الخيال والحس فصارت كلمات مخيلة وملفوظة مسموعة ومكتوبة مرئية ، فظهر في تلك المظاهر من غير حلول إذ هو فرع الانفصال وليس فليس ، فالقرآن كلامه تعالى غير مخلوق وإن تنزل في هذه المراتب الحادثة ، ولم يخرج عن كونه منسوبا اليه ( أما ) في مرتبة الخيال فلقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « أغنى الناس حملة القرآن من جعله اللّه تعالى في جوفه » ، وأما في مرتبة اللفظ فلقوله تعالى : وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ « 1 » ، وأما في مرتبة الكتابة فلقوله تعالى : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ « 2 » ، وقول الإمام أحمد : لم يزل اللّه متكلما كيف شاء وإذا شاء بلا كيف إشارة إلى مرتبتين ، فالأول إلى كلامه في مرتبة التجلي والتنزل إلى مظهر له كقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا قضى اللّه الامر في السماء ضربت الملائكة أجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان » الحديث ، والثاني إلى مرتبة الكلام النفسي إذ الكيف من توابع مراتب التنزّلات ، والكلام النفسي في مرتبة الذات مجرد عن المادة فارتفع الكيف بارتفاعها . فالحاصل لم يزل اللّه تعالى متكلما وموصوفا بالكلام من حيث تجلى ومن حيث لا ، فمن حيث تجلّيه في مظهر لكلامه كيف وإذا شاء لم يتكلم بما اقتضاه مظهر تجليه فيكون متكلما بلا كيف كما كان ولم يزل . والأشعري إذا حقّقت الحال وجدته قائلا : بأن للّه تعالى كلاما بمعنى التكلم وكلاما

--> ( 1 ) سورة الأحقاف : الآية 29 . ( 2 ) سورة البروج : الآية 22 .